محمد الغزالي
167
فقه السيرة ( الغزالي )
ونظر المشركون ، فإذا ديار ب ( مكة ) كانت عامرة بأهلها قد أقفرت ، ومحالّ مؤنسة قد أمحلت . مر عتبة ، والعبّاس ، وأبو جهل على دار بني جحش بعد ما غلّقت ، فقد هاجر ربّ الدار ، وزوجه ، وأخوه أبو أحمد - وكان رجلا ضرير البصر - ، ونظر عتبة إلى الدار تخفق أبوابها يبابا ، ليس بها ساكن ! فلما رآها تصفر الريح في جنباتها قال : وكلّ دار وإن طالت سلامتها * يوما ، ستدركها النّكباء والحوب ثم قال : أصبحت الدار خلاء من أهلها ، فقال أبو جهل للعباس : هذا من عمل ابن أخيك ، فرّق جماعتنا ، وشتّت أمرنا ، وقطع بيننا . . وأبو جهل بهذا الكلام تبرز فيه طبائع الطغاة كاملة ؛ فهم يجرمون ويرمون الوزر على أكتاف غيرهم ، ويقهرون المستضعفين ، فإذا أبوا الاستكانة ، فإباؤههم علّة المشكلات ومصدر القلاقل . . ! ! . وكان من أول المهاجرين : أبو سلمة ، وزوجه ، وابنه ، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره : هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتنا هذه ؟ علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ ! وأخذوا منه زوجته . فغضب آل أبي سلمة لرجلهم ، وقالوا : لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا ، وتجاذبوا الغلام بينهم ، فخلعوا يده ، وذهبوا به ، وانطلق أبو سلمة واحده إلى المدينة ، فكانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها ، وضياع ابنها - تخرج كلّ غداة بالأبطح ، تبكي حتى تمسي ، نحو سنة ، فرقّ لها أحد ذويها وقال : ألا تخرجون هذه المسكينة ؟ ! فرّقتم بينها وبين زوجها وولدها ، فقالوا لها : الحقي بزوجك إن شئت ، فاسترجعت ابنها من عصبته ، وهاجرت إلى المدينة . . ولما أراد ( صهيب ) الهجرة ، قال له كفار قريش : أتيتنا صعلوكا حقيرا ، فكثر مالك عندنا ، وبلغت الذي بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ، واللّه لا يكون ذلك ، فقال لهم صهيب : أرأيتم إن جعلت لكم مالي ، أتخلّون سبيلي ؟ قالوا : نعم ، قال : فإنّي قد جعلت لكم مالي ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : ربح صهيب « 1 » ! .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، ذكره ابن هشام في ( السيرة : 1 / 289 ) معلّقا مرسلا ، وقد وصله الحاكم : -